القاضي النعمان المغربي

254

المناقب والمثالب

[ التحكيم ] ومن ذلك : أن معاوية ناصب عليا عليه السّلام ودافعه أولا وهو يدّعي الإمارة التي أمّره عليها عثمان ، وقد ذكرنا قبل هذا فساد هذه الدعوى وما يجب بإجماع من زوال الإمارة بموت الإمام الذي أمّره عليها ، وأن الحكم في ذلك يصير إلى الإمام بعده ، يقر من رأى أن يقرّه من العمل ويصرف من شاء منهم ، وكذلك فعل من تقدم من أئمتهم . وإنما ولّى معاوية عمر بن الخطاب ، فلمّا ولّي عثمان أقرّه ، ولو عزله لما كان له عند نفسه أن يقيم على ذلك العمل بعد موت من استعمله عليه ، وكذلك لو عزله الذي كان يستعمله ، لزال حكمه عنه ، ثم إن معاوية لمّا استولت عليه الغلبة وأخذته وأصحابه الهزيمة ، احتال له عمرو بن العاص فرفع المصاحف ودعى إلى الحكم بما فيها ، فكفّ عنهم أصحاب علي تحرجا ، لأنهم كانوا أهل بصائر ودين ، فأمرهم علي عليه السّلام بالتمادي عليهم ، وأخبرهم أنها مكيدة منهم ، فاختلفوا في ذلك عليه ورفعوا السيوف عن عدوهم وافترق جمع منهم ، فرأى علي عليه السّلام إيضاح الحق لهم ، وعلم أن الكتاب يشهد له فأجابهم إلى الحكومة بما فيه ، فأصاب معاوية الوسيلة والوصول إلى الحيلة ، وقدّم [ معاوية ] عمرو بن العاص وقدّم علي أبا موسى الأشعري للمناظرة والحكم بكتاب اللّه الذي رفعوه ، ودعا إليه واشترط ذلك وأكّد فيه ، وكتب كتاب قضيته : بأن لا يكون الحكم إلّا بكتاب اللّه لا يعدوه أحد إلى غيره ، كما كان الدعاء إليه . فمكر عمرو بن العاص بأبي موسى الأشعري وأظهر برّه وإكرامه وإجلاله وإعظامه ، وكان إذا حضرت الصلاة قدّمه وقال : أنت صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأسبق مني إلى الإسلام وأقدم سنّا . وقال : هلمّ بنا يخلع كل واحد منّا صاحبه ، ثم نتفق على من نقدمه . وأوهمه في ذلك أن يرجع إلى قوله ويقدّم من أراده وأطمعه في ذلك . فصعد أبو موسى المنبر فخلع بزعمه عليا عليه السّلام وقال لعمرو : اصعد أنت فاخلع